فصل: (مسألة: اختلفا في بداية التسليم لأن الثمن في الذمة)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[فرع: الاختلاف في عدد المشترى]

وإن اشترى منه عشرة أقفزة من صُبرة، فاكتالها المشتري من البائع، ثم قال المشتري: إنها تسعة، وقال البائع: بل هي عشرة.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن البائع يدّعي القبض، والمشتري ينكره، والأصل عدم القبض وعدم الإيفاء.
والثاني: أن القول قول البائع مع يمينه.
قال القاضي أبو الطيب: وهو الصحيح؛ لأنهما قد اتَّفقا على القبض والمشتري يدَّعي الخطأ فيه، فكان عليه البيِّنة، كما لو قبض المشتري المبيع، وادّعى به عيبًا كان موجودًا في يد البائع.. فإن القول قول البائع مع يمينه.
قال الشيخ أبو حامد: وهكذا: إذا أسلم إليه في طعام كيلاً، ثم جاء المسلم إليه وكاله على المسلم وقبضه كيلا، ثم ادّعى المسلم [إليه] نقصانًا.. ففيه قولان، وتعليلهما ما ذكرناه.

.[مسألة: اختلفا في بداية التسليم لأن الثمن في الذمة]

إذا اشترى سلعة بثمن في ذمته، فقال البائع: لا أسلم السلعة حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلِّم الثمن حتى أقبض السلعة.. فاختلف أصحابنا فيها على طريقين:
فالطريق الأول منهم من قال: فيها ثلاثة أقوال مشهورة:
أحدها: أن الحاكم يجبر البائع على إحضار السلعة وتسليمها إلى عدلٍ، ويجبر المشتري على إحضار الثمن وتسليمه إلى عدل، أو يأخذهما الحاكم، ثم يسلِّم السلعة إلى المشتري والثمن إلى البائع، ويجوز البداية بأيِّهما شاء؛ لأنه قد وجب الإقباض على كل واحد منهما، فإذا تمانعا.. أُجبرا، كما لو كان لأحدهما على صاحبه دنانير وعليه له دراهم.
والثاني: لا يجبر واحد منهما، ولا يتعرض لهما، بل أيُّهما تطوع، فسلَّم ما عليه.. أجبر الآخر على تسليم ما عليه، ويمنعهما من التخاصم؛ لأن كل واحدٍ منهما قادرٌ على استيفاء حقِّه، بأن يتطوع بتسليم ما عليه، فإذا لم يفعل.. فالتفريط جاء من جهته، فلم يتعرض له، كما لو ادّعى على غيره دينًا، فنكلَ المدَّعى عليه عن اليمين، فردت على المدعي، فنكلَ عنها.
والقول الثالث ـ وهو اختيار الشافعي، وهو الصحيح ـ: (أن البائع يجبر على تسليم السلعة، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن)؛ لأن تسليم السلعة يتعلق به استقرار العقد، فكان تقديمه أولى، ولأن حق المشتري متعلق بالعين، وحق البائع متعلق بالذمة، والمتعلق بالعين أقوى من المتعلق بالذمة، كما لو كان له عبدٌ، فجنى على غيره وفي ذمة السيد دين.. فإن حق الجناية يقدّم؛ لتعلقه بعين العبد.
والقول الرابع ـ حكاه المسعودي [في "الإبانة" ق\249]، وهو قول مالك، وأبي حنيفة ـ: (أن المشتري يجبر على إحضار الثمن، ثم يجبر البائع على إحضار السلعة عكس ما اختاره الشافعي؛ لأن حق المشتري قد تعين بعين، وحقّ البائع لم يتعين بشيء، ومن شأن المتبايعين أن يتساويا، فأجبر المشتري على الإقباض ليتساويا.
والطريق الثاني من أصحابنا من قال: المسألة على قولٍ واحدٍ، وهو: أن البائع يجبر على تسليم السلعة، ثم يجبر المشتري عل تسليم الثمن.
وقال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح عندي، وما سواه من الأقوال، فإنّما حكاه الشافعي عن غيره، ولم يختر لنفسه مذهبًا إلا هذا.
فإن قلنا بالصحيح، فسلّم البائع السلعة:
فإن كان المشتري موسرًا.. نظرت:
فإن كان الثمن حاضرًا معه في المجلس أُجبر على تسليمه.
وإن كان الثمن غائبًا عنه في دكّانه أو في داره.. حجر عليه في المبيع وفي سائر أمواله حتى يسلِّم الثمن؛ لأنه لا يؤمن أن يتصرف في ماله فيما يضر بالبائع، وإن كان مالُه غائبًا عن البلد.. نظرت:
فإن كان بينه وبين ماله مسافة تقصر فيها الصلاة.. لم يلزم البائع أن يصبر إلى أن يحضر المال؛ لأن عليه مشقة في ذلك، بل يثبت له الخيار في فسخ البيع، فإن فسخ البيع.. استرجع السلعة. وإن اختار أن يصبر إلى أن يحضر.. حجر الحاكم على المشتري في المبيع وفي سائر أمواله إلى أن يحضر الثمن؛ لئلا يتصرف في ماله بما يضر بالبائع.
وإن كان بينه وبين ماله مسافةٌ لا تقصر في مثلها الصلاة.. ففيه وجهان:
أحدهما: حكمها حكم ما لو كان في مسافة تقصر في مثلها الصلاة.. فيثبت للبائع الخيار في فسخ البيع؛ لأنه يخاف الهلاك على مال المشتري فيما قرب، كما يخاف عليه فيما بعد.
والثاني: حكمها حكم ما لو كان ماله في داره أو دكّانه.. فلا يثبت للبائع الخيار في فسخ البيع؛ لأنه في حكم الحاضر، ولكن يحجر على المشتري في المبيع وفي سائر أمواله إلى أن يحضر الثمن.
وإن كان المشتري معسرًا بالثمن.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ المنصوص للشافعي ـ: (أن البائع بالخيار: بين أن يفسخ البيع، ويرجع إلى السلعة، فيأخذها، وبين أن يصبر بالثمن، ويقر البيع)؛ لأنه تعذّر عليه الثمن بالإعسار، فثبت له الخيار في فسخ البيع، كالمفلس.
والثاني: من أصحابنا من قال: لا يثبت له فسخ البيع، بل تباع السلعة، فإن كان ثمنها وفق حقّه.. سُلِّم إليه، وإن كان أكثر.. كانت الزيادة للمشتري؛ لأنه يمكن إيفاء حقِّه بذلك، وإن اشترى سعلة بثمن معين.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجبر واحدٌ منهما، بل يقال: أيُّكما تطوّع بتسليم ما عليه.. أجبر الآخر.
والثاني: يجبرهما الحاكم جميعًا، ويجوز البداية بمن شاء منهما، ووجههما ما تقدم، ويسقط القول الثالث: أنه يجبر البائع أوّلاً؛ لأن حق كل واحد منهما هاهنا متعلق بالعين.

.[مسألة: لا يجبر البائع على التسليم ما لم يقبض كامل الثمن]

وإن اشترى رجل من رجل عينًا، فسلّم المشتري نصف الثمن.. فهل يجب تسليم ما في مقابلته من العين إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر البائع على تسليم شيء من العين، كما لو رهنه عينًا بدين، فسلّم الراهن بعض الدين.. فإنه لا ينفكُّ شيءٌ من الرهن.
والثاني: يجبر البائع على تسليم نصف العين؛ لأن الثمن عوَضٌ عن العين، فإذا سلَّم المشتري بعض الثمن.. وجب تسليم ما في مقابلته، بخلاف الرهن، فإنه ليس بعوض عن الدين، وإنما هو وثيقة به.

.[فرع: دفع ذمة أحد الشريكين لا يلزم لهما تسليم العين]

وإن اشترى رجلان من رجل عينًا بثمن في ذمّتهما، فسلّم أحدهما نصف الثمن إلى البائع.. فعلى البائع أن يسلم إليه نصف العين، وإن سلّم أحدهما إليه جميع الثمن.. بريء شريكه ممَّا عليه من الثمن، ولم يسلِّم نصيب الشريك الذي لم يدفع الثمن إلى الناقد، بل إلى المالك.
وقال أبو حنيفة: (إذا سلَّم أحدهما نصف الثمن.. لم يجبر البائع على تسليم شيء من المبيع إليه، وإن سلّم جميع الثمن إليه.. وجب عليه تسليم جميع المبيع إلى الدافع).
دليلنا على الفصل الأول: أنّه سلّم ما عليه من الثمن.. فوجب عليه أن يسلِّم إليه ما استحقّ من المبيع، كما لو كان منفردًا بالشراء.
وعلى الفصل الثاني: أنّه تبرّع بدفع الثمن.. فلم يدفع إليه جميع المبيع، كما لو تبرّع بدفع الثمن أجنبيٌّ غير الشريك.

.[مسألة: تلف المبيع قبل القبض]

إذا تلف المبيع في يد البائع قبل أن يقبضه المشتري بآفة سماوية.. انفسخ البيع ورجع المشتري إلى الثمن إن كان قد دفعه، سواءٌ كان البائع عرضه على المشتري فلم يقبل أو كان المشتري قد سأل ذلك ومنعه البائع، فإنّه يتلف من ضمان البائع، وبه قال الشعبيُّ، وربيعة، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وقال مالك: (إن كان المبيع عبدًا، فتلف في يد البائع قبل القبض، أو قفيزًا من صبرة، فتلفت الصبرة.. كان ذلك من ضمان البائع). كقولنا.
وإن كان غيرهما من المبيعات، وتلف في يد البائع.. فإنها تتلف من ضمان المشتري، ولا ينفسخ البيع ثم ينظر:
فإن لم يطلب المشتري ذلك، أو كان البائع قد عرضها على المشتري، فلم يقبضها حتّى تلفت.. فلا شيء على البائع، كالوديعة إذا تلفت في يده. وإن كان المشتري، قد دفع الثمن وطالب بالسلعة المبيعة، فلم يفعل البائع.. وجب على البائع قيمتها، كالغاصب.
وإن كان المشتري لم يدفع الثمن وطالب بالسلعة، فقال البائع: لا أسلِّمُها حتى أقبض الثمن، ثم تلفت السلعة في يده.. كان كالرهن إذا تلف في يد المرتهن، وحكم الرهن عنده إذا هلك في يد المرتهن.. ينظر فيه:
فإن كان هلاكه بأمر ظاهر.. فهو من ضمان الراهن.
وإن كان بأمر خفيٍّ.. فهو من ضمان المرتهن.
وممَّن قال: بأن المبيع يتلف من ضمان المشتري قبل القبض: أحمد، وأبو ثور. ولكن التفصيل في قدر الضمان لمالك.
وقال النخعي، وابن سيرين: إن سأل المشتري القبض، فامتنع البائع من إقباضه حتى هلك المبيع.. كان من ضمان البائع، وإن لم يسأل المشتري ذلك.. فهو من ضمان المشتري.
دليلنا: أنه قبض مستحق بعقد البيع، فإذا تعذّر.. انفسخ البيع، كما لو تصارفا وتفرّقا قبل القبض.
فقولنا: (بعقد البيع) احترازٌ من الصداق، إذا تلف قبل القبض.. فإنّ النكاح لا يبطل؛ لأنه مبيع تلف قبل القبض، فوجب أن يكون من ضمان البائع، كما لو كان عبدًا أو قفيزًا من صُبرةٍ، فتلف في يد البائع عند مالك.

.[فرع: تلف الثمن قبل قبض السلعة]

وإن اشترى سلعة بثمن معين، فتلف الثمن في يد المشتري قبل القبض.. بطل البيع.
وقال أبو حنيفة: (لا يبطل). وهذا بناء على أصله: أنّ الثمن لا يتعيّن، وقد مضى الكلام معه، ولأنه مبيع تلف قبل القبض.. فانفسخ، كالحيوان.

.[فرع: ما حصل ونما في ملك البائع]

فإن كان المبيع نخلةً لا ثمرة عليها، فأثمرت في يد البائع، فجُدّت، ثم تلفت النخلة في يد البائع، أو بهيمة حائلاً، فحملت في يد البائع، فولدت، ثم تلفت البهيمة، أو كان المبيع عبدًا، فاكتسب في يد البائع، ثم تلف العبد قبل القبض.. فإن
الثمرة، والولد، والكسب يكون ملكًا للمشتري؛ لأنه نماءُ ملكه، وينفسخ البيع، فيرجع المشتري بجميع الثمن إن كان قد دفعه؛ لما ذكرناه.
فإن قيل: فقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخراج بالضمان». وإذا كان الخراج هاهنا للمشتري.. فيجب أن يكون تلف المبيع من ضمانه؟
فالجواب: أن الخبر دليل على: أن كل موضع يكون الضمان على المشتري، فإن الخراج يكون له؛ لأنه علّق استحقاق الخراج على الضمان، فلا يكون الخبر دليلاً على: أن كل موضع كان الخراج له، وجب أن يكون الضمان عليه؛ لأنه لم يقل: الضمان بالخراج، كما أنه إذا قال: كل نبي صالح.. لم يكن كل صالح نبيًّا؛ لأن الصلاح علق على النبوّة، ولم يعلِّق النبوة على الصلاح.
وإن تلفت هذه الثمرة في يد البائع، فإن كان المشتري قد طالب بها، وامتنع البائع من تسليمها.. كان عليه ضمانها، وإن لم يطالب بها المشتري.. لم يجب على البائع ضمانها؛ لأنها أمانة في يده.
وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا آخر: أن الثمرة والولد والكسب للبائع؛ لأن المبيع لمّا انتقص قبل استقراره.. صار بمنزلة ما لو لم يوجد. وهذا ليس بشيء.
وهكذا: لو اشترى جارية، فوطئها المشتري في يد البائع، ثم تلفت قبل القبض.. فإنّ البيع يبطل، وهل يلزم المبتاع المهر؟ على هذين الوجهين.

.[فرع: إقالة البائع المشتري وتلف المبيع قبل قبضه]

إذا اشترى عبدًا، فقبضه، ثمّ أقال البائع المشتري، وتلف العبد في يد المشتري قبل أن يقبضه البائع.. بنى ذلك على الإقالة، وفيها قولان:
أحدُهما ـ وهو قوله الجديد، وهو الصحيح ـ: (أن الإقالة فسخ للعقد)؛ لأنها مأخوذة من إقالة العثرة، وترك المطالبة بحكمها والإضراب عنها، وهذا يقتضي أن تكون الإقالة: ترك المبيع لاستئناف عقد.
فعلى هذا: يلزم المشتري قيمة العبد، فإن زادت قيمته بعد القبض.. لزمه قيمته يوم قبضه، ولا يلزمه ضمان الزيادة؛ لأنها زيادة حصلت للمشتري، ولا حقّ للبائع فيها.
والقول الثاني ـ قاله في القديم ـ: (أن الإقالة بيع)، وهو قول مالك؛ لأنها لو كانت فسخًا؛ لصحت الإقالة في المبيع وإن كان تالفًا.
فعلى هذا: إذا تلف العبد في يد المشتري قبل أن يقبضه البائع.. بطلت الإقالة، وعاد البيع الأول صحيحًا، ويكون المبيع تالفًا من ضمان المشتري.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح هو الأول.
وأمّا الإقالة في المبيع بعد تلفه: فقد نص الشافعي على صحتها، كما تصح مع وجوده.
فإذا قلنا: إنّ الإقالة فسخٌ.. فهل ينفسخ العقد من أصله، أو من وقت الفسخ؟ فيه وجهان، حكاهما في "الإبانة" [ق\252].
وفائدة ذلك: إذا اكتسب العبد كسبًا بعد البيع، ثم فسخ العقد، فإن قلنا: إن الفسخ يرفع العقد من أصله.. كان الكسب للبائع. وإن قلنا: إن الفسخ رفعٌ للعقد من يوم الفسخ.. كان الكسب للمشتري، وهذا أصح.

.[فرع: وطء البائع الجارية قبل تسليمها]

وإن اشترى رجلٌ جارية، فوطئها البائع قبل أن يقبضها المشتري، ثم تلفت قبل
القبض.. وجب على البائع مهر المثل للمشتري؛ لأنه وطء في ملك غيره، ويبطل البيع فيها؛ لما تقدم من ذكره.
وإن وطئها المشتري في يد البائع، ثم ماتت في يد البائع بعد هذا الوطء.. قال القاضي أبو الطيب: فإن هذا الوطء لا يكون قبضًا لها، فيبطل البيع فيها؛ لأنها تلفت قبل القبض، وينظر فيها:
فإن كانت ثيِّبًا.. فلا شيء على المشتري؛ لأنها كانت ملكه وقت الوطء.
وإن كانت بكرًا، فافتضّها.. فلا مهر عليه، ولكن يجب عليه بقدر أرش الافتضاض من الثمن؛ لأنه أتلف جزءًا منها، ولو أتلفها.. لضمنها بالثمن، فإذا أتلف جزءًا منها.. ضمنه بجزء من الثمن.

.[فرع: نقص المبيع في يد البائع]

وإن اشترى رجلٌ من رجلٍ عبدًا، فذهبت يدُهُ أو عينه في يد البائع بآكلةٍ.. ثبت للمشتري الخيار للعيب الحادث قبل القبض، فإن فسخ البيع.. فلا كلام، وإن لم يفسخه مع العلم به.. لزمه جميع الثمن؛ لأن الثمن لا ينقسم على الأعضاء، ولهذا لو قال: بعتك رأس هذا العبد أو يدَهُ.. لم يصحّ البيع.

.[فرع: تلف المبيع بيد آخر قبل تسليمه]

وإن تلف المبيع في يد البائع قبل القبض بفعل أجنبيّ، بأن كان عبدًا، فقتله.. فالمشهور من المذهب: أن المسألة على قولين:
أحدهما: ينفسخ البيع؛ لأنه تعذر التسليم المستحق بالعقد، فانفسخ العقد، كما لو تلف بآفة سماوية.
فعلى هذا: يرجع المشتري على البائع بالثمن، ويرجع البائع على الأجنبي بقيمة العبد.
والثاني: لا ينفسخ، بل يثبت للمشتري الخيار: بين أن يفسخ العقد ـ لأن ذلك أكثر من حدوث العيب فيه ـ ويرجع على البائع بالثمن، ويرجع البائع على الأجنبي بالقيمة، وبين أن يجيز البيع، ويرجع على الأجنبي بالقيمة؛ لأن القيمة قائمة مقام العبد، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وحكى الطبري في "العدة": أن أبا العباس قال: لا ينفسخ البيع، قولاً واحدًا، وإنّما يثبت للمشتري الخيار.
وإن قطع الأجنبيّ يده في يد البائع، ولم يمت منه.. لم ينفسخ البيع، قولاً واحدًا؛ لأن عين العبد باقية، ولكن يثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة؛ لأن ذلك عيب، فإن فسخ البيع.. رجع البائع على الأجنبي بنصف قيمة عبده، وإن أجاز المشتري البيع.. رجع المشتري على الأجنبي بنصف قيمة العبد.
وإن قطع رجل يد عبدٍ لغيره، ثم باعه سيِّدُهُ، فقبضه المشتري، ثم مات من ذلك القطع.. قال الطبري في "العدة": ضمن القطع للمشتري، ولم يبيِّن الطبري القدر الذي يجب للمشتري.
والذي تبين لي فيها: أن العبد يقوَّم الشراء، ويضم ذلك إلى نصف قيمته يوم القطع، وتقسم القيمة عليهما، فما قابل نصف القيمة يوم القطع.. وجب للبائع؛ لأن ذلك وجب في ملكه، وما قابل القيمة يوم الشراء.. وجب للمشتري؛ لأن القاطع لا يجب عليه أكثر من القيمة.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب للمشتري شيء).
دليلنا: أنه تلف في ملكه من قطع الأجنبي، فأشبه إذا اشترى عبدًا، فقطع الأجنبي يده، فمات.

.[فرع: تلف المبيع بفعل البائع]

وإن تلف المبيع قبل القبض بفعل البائع، بأن كان عبدًا، فقتله.. ففيه طريقان:
أحدهما قال عامة أصحابنا: ينفسخ البيع، قولاً واحدًا، لأنه فات التسليم المستحق بالعقد، فانفسخ العقد، كما لو تلف بآفةٍ سماويةٍ.
والثاني: قال أبو العباس: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا ينفسخ البيع، بل يثبت للمشتري الخيار: بين أن يفسخ البيع، وبين أن يجيزه، ويرجع على البائع بالقيمة.
فإن قطع البائع يده، واندملت.. فعلى قول عامة أصحابنا: المشتري بالخيار: بين أن يفسخ البيع، وبين أن يجيزه بجميع الثمن، كما لو ذهبت يده بآكلة. وعلى قول أبي العبّاس: المشتري بالخيار: بين أن يفسخ البيع، وبين أن يجيزه، ويرجع على البائع بنصف القيمة، كما لو قطعه أجنبي.

.[فرع: قبض المشتري الجارية بغير رضا البائع وقبل دفع ثمنها]

فإن قبض المشتري الجارية المبيعة من البائع بغير اختياره قبل دفع الثمن، فوطئها المشتري، ثم طالب البائع بردِّها إليه إلى أن يقبض الثمن.. وجب ردُّها إليه، فإذا ردت إليه، ثم تلفت في يده.. انفسخ البيع؛ لأن القبض قد زال بردِّها إلى البائع، ولا مهر على المشتري؛ لأنه وطئها في ملكه.
وعلى الوجه الذي حكاه القاضي أبو الطيب: يجب عليه المهر؛ لأنه لمَّا انفسخ البيع.. صار كما لو لم يوجد. وليس بشيء.
ولو ماتت الجارية في يد المشتري قبل ردِّها إلى البائع.. استقر عليه الثمن، وكان تلفُها من ضمان المشتري، وإن قطع البائع يدها وهي في يد المشتري، وماتت من القطع.. لم ينفسخ البيع، بل يجب على البائع قيمتها، ويجب على المشتري جميع الثمن.
وقال أبو حنيفة: (ينفسخ البيع).
دليلنا: أن قبض المشتري لا يرتفع بجناية البائع على المبيع في يده، فصار كما لو قبضها بعد دفع الثمن، أو كما لو قبضها بإذن البائع.

.[فرع: تلف المبيع بفعل المشتري قبل قبضه]

وإن تلف المبيع في يد البائع بفعل المشتري؛ بأن كان عبدًا، فقتله.. فالمشهور من المذهب: أن البيع لا ينفسخ، ويستقر عليه الثمن؛ لأن إتلافه له قبض، فهو كما لو كان عبدًا، فأعتقه.
وحكى الطبريُّ في "العدة" وجهًا آخر: أنّ البيع ينفسخ فيرجع البائع عليه بالقيمة، ويرجع هو عليه بالثمن. وهذا ليس بشيء.
فإن قطع المشتري يده وهو في يد البائع.. لم يثبت له الخيار في فسخ البيع؛ لأنه نقص بفعله، فإن اندملت جراحة اليد التي قطعها المشتري، ثم مات العبد في يد البائع قبل القبض.. انفسخ البيع؛ لأنه فات التسليم المستحق بالعقد، فانفسخ البيع، كما لو تلف بآفة سماوية، ويجب على المشتري ضمان اليد التي قطعها، ولا يجب عليه ضمانها بنصف القيمة؛ لأن العبد مضمون على المشتري بالثمن، فكذلك أجزاؤه، ولكن يضمنها بجزء من الثمن، وفي قدر ذلك وجهان:
الأول: قال الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" [1/295] يقوَّم العبد مع اليد، ثم يقوَّم بلا يد فيرجع البائع على المشتري بما نقص من الثمن.
ومعنى ذلك: إن كانت قميته مع اليد عشرين، وقيمته بغير يد عشرة.. رجع بنصف الثمن، وإن كنت قيمته مع اليد ثلاثين، وقيمته بلا يد عشرين.. رجع عليه بثلث الثمن.
والثاني: قال الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب في " شرح المولَّدات ": يرجع عليه لقطع اليد بنصف الثمن؛ لأنه لو قتله.. لرجع عليه بجميع الثمن، فإذا قطع يده.. رجع عليه بنصف الثمن؛ لأن اليد من الحر مضمونة بنصف بدل النفس، فكذلك اليد من العبد مضمونة بنصف بدل لنفسه، ولا يقال: إن الثمن ينقسم على الأعضاء، ولكن يقال: جميع بدل العبد، إلاَّ أنّ اليد مضمونةٌ بنصف بدل النفس، كما أنّ دية الحر لا يقال: إنها مقابلة لأطرافه، وإنما هي مقابلةٌ لجميع بدنه، ثم لو قطع يده.. لوجب فيها نصف ديته، كذلك هاهنا.
قال القاضي أبو الطيب: فعلى هذا: إذا قطع المشتري يدي العبد، واندملتا، ثم مات في يد البائع قبل التسليم.. لم ينفسخ البيع، ويجب على المشتري جميع الثمن؛ لما ذكرناه.

.[مسألة: تلف الثمرة على الأرض كغيرها]

وإن اشترى منه ثمرةً على الأرض، فتلفت قبل القبض.. فهي كغير الثمرة على ما مضى، وكذلك: إذا اشترى منه ثمرة على الشجر، فتلفت قبل التخلية.. فهي كغير الثمرة على ما مضى.
وإن اشترى منه ثمرة على الشجر بعد بدوِّ الصلاح فيها، وخلاَّ البائع بينه وبين الثمرة، فتلفت بآفةٍ سماويّة قبل أوان جدادها.. ففيه قولان:
أحدهما قال في القديم: (تتلف من ضمان البائع، فإن تلف جميعها.. انفسخ البيع، ووجب ردُّ الثمن).
وثانيهما قال في الجديد: (تتلف من ضمان المشتري). وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح.
وقال مالك: (إذا أذهبت الجائحة دون الثلث.. كان ذلك من ضمان
المشتري، وإن أذهبت الثلث فما زاد.. كان من ضمان البائع).
وقال أحمد: (إذا ذهبت بآفة سماويّة.. كان من ضمان البائع، وإن ذهبت بسرقة أو نهب.. كان من ضمان المشتري).
فإذا قلنا بقوله القديم: فوجهه: ما رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن حميد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح». وروى أبو الزبير، عن جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو باع أحدكم من أخيه ثمرًا، فأصابته جائحة.. فلا يأخذ من ثمنها شيئًا، بمَ يأخذ مال أخيه بغير حقٍّ؟!»، ولأنه لو انقطع الماء ولم يكن البائع سقى الثمرة.. كان المشتري بالخيار بين الفسخ والإجازة؛ لأن على البائع سقيها، فلو كانت التخلية قبضًا.. لوجب أن لا يثبت له الخيار بانقطاع الماء بعد القبض؛ لأن العيب إذا حدث بعد القبض.. لم يوجب الخيار.
وأمّا الدليل على صحة قوله الجديد: فما روى أنسٌ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمار حتى تُزهيَ، قيل: ما تُزِهيَ؟ قال: «حتى تَحْمَرّ»، ثم قال: «أرأيت إن منع الله الثمرة.. فبِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟». فمنع من بيع الثمرة حتى تشتد، وأخبر: أن الثمرة لو تلفت.. فبأي شيء كان يأخذ أحدكم العوض الذي بإزائها؟! فلولا أنّ الثمرة إذا تلفت كانت من ضمان المشتري بالتلف.. لما كان لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟!» معنى ولا فائدة وهو لا يستحق الأخذ.
وأيضًا روت عائشة: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتها الجائحة، فسأله أن يضع عنه، فتألّى أن لا يفعل، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تألّى فلان أن لا يفعل خيرًا!!». فلو كان ذلك واجبًا لأجبره عليه، ولأن التخلية تسليمٌ يستفيد بها المشتري التصرف في الثمرة.. فوجب أن يكون قبضًا يدخل به في ضمان المشتري، كالنقل فيما ينقل.
وأما الجواب عن حديث سفيان: فقال الشافعيُّ: (وهَّنهُ سفيان)، أي: ضعَّفه؛ لأنه لم يذكره، ثم ذكره.
وأمّا ثبوت خيار المشتري بالعطش: فإنّ أبا عليّ الطبريّ قال: إنّما يثبت له الخيار على القول القديم، فأمّا على القول الجديد: فلا يثبت.
فعلى هذا: لا نسلِّم ذلك، وقال أبو إسحاق: يثبت له الخيار على القولين؛ لأن العقد اقتضى أن يكون سقيُ الثمرة على البائع، كما اقتضى تركها على الأصول إلى أوان الجذاذ، فإذا عجز عن تسليمها في حال كمالها.. ثبت للمشتري الخيار.